أبي حيان الأندلسي
496
البحر المحيط في التفسير
إذا علمت أن ذلك التفويض من عند اللّه ، فحالة كل منهن كحالة الأخرى في ذلك . وقرأ الجمهور : أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ : مبنيا للفاعل من قرت العين ؛ وابن محيصن : يقر من أقر أعينهن بالنصب ، وفاعل تقر ضمير الخطاب ، أي أنت . وقرئ : تقر مبنيا للمفعول ، وأعينهن بالرفع . وقرأ الجمهور : كُلُّهُنَّ بالرفع ، تأكيدا لنون يَرْضَيْنَ ؛ وأبو إياس حوبة بن عائد : بالنصب تأكيدا لضمير النصب في آتَيْتَهُنَّ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ : عام . قال ابن عطية : والإشارة به هاهنا إلى ما في قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من محبة شخص دون شخص ، ويدخل في المعنى المؤمنون . وقال الزمخشري ، وعبيدة : من لم يرض منهن بما يريد اللّه من ذلك ، وفوض إلى مشيئة رسوله ، وبعث على تواطؤ قلوبهن ، والتصافي بينهن ، والتوافق على طلب رضا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما فيه طيب نفسه . انتهى . وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما انطوت عليه القلوب ، حَلِيماً : يصفح عما يغلب على القلب من المسؤول ، إذ هي مما لا يملك غالبا . واتفقت الروايات على أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يعدل بينهن في القسمة حتى مات ، ولم يستعمل شيئا مما أبيح له ، ضبطا لنفسه وأخذا بالفضل ، غير ما جرى لسودة مما ذكرناه . لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ : الظاهر أنها محكمة ، وهو قول أبيّ بن كعب وجماعة ، منهم الحسن وابن سيرين ، واختاره الطبري . ومن بعد المحذوف منه مختلف فيه ، فقال أبيّ ، وعكرمة ، والضحاك : ومن بعد اللواتي أحللنا لك في قوله : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ . فعلى هذا المعنى ، لا تحل لك النساء من بعد النساء اللاتي نص عليهن أنهن يحللن لك من الأصناف الأربعة : لا أعرابية ، ولا عربية ، ولا كتابية ، ولا أمة بنكاح . وقال ابن عباس ، وقتادة : من بعد ، لأن التسع نصاب رسول اللّه من الأزواج ، كما أن الأربع نصاب أمته منهن . قال : لما خيرن فاخترن اللّه ورسوله ، جازاهن اللّه أن حظر عليه النساء غيرهن وتبديلهن ، ونسخ بذلك ما أباحه له قبل من التوسعة في جميع النساء . وقال مجاهد ، وابن جبير : وروي عن عكرمة : من بعد ، أي من بعد إباحة النساء على العموم ، ولا تحل لك النساء غير المسلمات من يهودية ولا نصرانية . وكذلك : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ : أي بالمسلمات من أزواج يهوديات ونصرانيات . وقيل : في قوله وَلا أَنْ تَبَدَّلَ ، هو من البدل الذي كان في الجاهلية . كان يقول الرجل : بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي ، فينزل كل واحد منهما عن امرأته للآخر . قال معناه ابن زيد ، وأنه كان في الجاهلية ، وأنكر هذا القول الطبري وغيره في معنى الآية ، وما فعلت العرب قط هذا . وما